مُـ ـشَـ ـا هِـ ـدْ- O B S E R V E R- 3
كتبهاصدى القدس ، في 19 أكتوبر 2009 الساعة: 06:09 ص
مُـ ـشَـ ـا هِـ ـدْO B S E R V E R-3-

لن يحدث الوقت والتاريخ فرقاً
في أعينهن
يقال دوماً أن العين مفتاح للقلب، وأنك ربما تستخرج الحقيقة خلف من يقف أمامك من خلال عينيه فقط حتى وإن كان كاذباً. حين تلتقي أعيننا بأعين شخص ما للمرة الأولى فإننا نستشف الكثير عنه، وإن كنا محظوظين فقد تترك تلك النظرة أثراً. كثيراً ما تحدث الكتاب عن شعور من "يهيم في عينيها" وعن من "يرى الألم في عينيها" إلخ، وكثيراً ماكنت أيضاً أستبعد أن تأسرعينٌ شخصاً ما ! . لكني كنت أكذب على نفسي كما هي العادة. فأنا لا أستطيع التوقف عن التحديق في أعين الاطفال التيتضج فرحاً وألماً، ولا أستطيع أن أبعد عيني عن طفل وهو يحادثني أو حتى وهو ينظر إلي وأنا في السوق أو في أي مكان. كنت أظن أن الاطفال هم الوحيديون الذين يستطيعون أن يجبروا عيني على استكشاف مابداخلهم،لكني كنت مخطئة أيضاً.
بالنظر إلى انه قد انقضى شهر تقريباً منذ آخر زيارة لي للمستشفى، لكني لا أستطيع أن أنساها ولا أن أنسى كيف رأتني عيناها. كانت مريضة كبيرة في السن وكنا نمر عليها يومياً تقريباً أثناء الجولة الصباحية لكني كنت مابين حالين: إما ان أبقى في الخارج، أو أن أكتفي بالنظر من خلف أظهر الاطباء إليها..فلاشيء مهم!. كما أن المريضة كانت تهمهم بصوت عالٍ دوماً،ولا تتحدث وربما لاتسمع، لاأقصد بحديثي شيئ هنا ولكن ما أعنيه هو أنها مريضة كبيرة في السن وليس لدي شيء لأفعله معها أو أحادثها به. كلا أنا أكذب. في الحقيقة لم اكن أريد أن أراها، لم أكن أريد أن أرى مريضة كبيرة في السن،لم أكن اريد ان أرى الوحدة وهي تغلفهم ، ولم أكن أريد أن أراهم ولا احد بقربهم من الذين كانوا أطفالهم يوماً ما ، لا أريد أن أرى الخدم وهم يحنون عليهم كما لانفعل ويسعون لهم كما لانريد.لم اكن أريد أن أرى أماً وحيدة. بيد أن هذه المريضة مختلفة. في المرات المتعددة التي زرتها فيها، كانت هناك امرأة بجانبها دوماً، تقرأ لها القرآن وتحادثها بما تستطيع. كانت ابنتها صابرة فيما بدى لي ..صابرة وراضية. لاأدري كيف استطاعت –ماشاء الله- أن تتحمل وأن تصبر على رؤية والدتها وهي هكذا، من بعد أن كانت تراعها وتنتبه لكل صغيرة وكبيرة في حياتها إلى شخص ربما لايعي من هو الجالس بجواره في هذهه اللحظة. لاأحب رؤية لحظات وأيام الضعف في حياة الآخرين وهذا سبب من تلك الأسباب.
أخبرنا الطبيب المقيم المسؤل عنها أن نأتي ونستمع لقلبها بعد الجولة لأن لديها Pansystolic murmur ولأنها أيضاً كانت تهمهم بصوت عالٍ فلن نستطع سماعها في اللحظة هذه. لم أكن أخطط للمجيء إليها لأسباب عدة: أولها أني لم أدرس عن أنواع الـ Murmurs بعد لذا حتى ولو استمعت لها فلن يحدث ذلك فرقاً، وثانيها أني اعتقدت أني لم أملك الوقت الكافي لشيء كهذا. مر اليوم وحين اقتربت نهاية الدوام وجدت نفسي وأنا لا أملك شيئاً لأفعله فقلت لم لا أحاول أن أذهب بمفردي إليها فابنتها ليست موجودة ولن يكون هناك أحد معي أخفي عنه فشلي في الإستماع لو لم أميز الصوت. ذهبت بخطوات بطيئة جداً جداً إلى غرفتها ولم يكن هناك أحد بجوارها إلا الخادمة. كانت هادئة تماماً، عكس مارأيتها في الأيام السابقة. اقتربت منها ببطء،وضعت السماعة وأخذت أستمع. كانت تلك هي المريضة الأولى التي أستمع إلى قلبها. حاولت أن ابقي السماعة لأطول وقت ممكن، ترى ماهو شعور الإستماع لقلب شخص آخر؟ وكيف بقلبٍ يحمل صوتاً مميزاً؟.أثناء استماعي كانت عيناي على صدرها وعلى السماعة،لكني شعرت بحركة خفيفة تحت خماري..كانت خماري يغطي يدها ويضايقها فيما يبدو لي، مددت يدي لأزيحه عنها ولمست يدها كاعتذار وحينها تلاقت عينانا. كانت تحدق بي، طوال الوقت الذي كنت بجانبها،كانت تحدق بي. كيف أصفها؟ مريضة في أواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات،ترقد بكل هدوء على السرير ويداها مربوطتان إليه..بكلهدوء وربما لن يصدقني أحد لو قلت له هذا لأن كل من في الغرفة يشتكي من صوتها،وفي كل مرة أتي إليها مع بقية الأطباء كانت تصدر صوتاً. لكنها الآن هادئة تماماً. عيناها صغيرتان لكن شعوراً قوياً بداخلها كان يفيض من مقلتيها. حين نظرت إليها أحسست بالهدوء التام،بأن القلب الذي أمامي وإن كان مريضاً عضوياً إلا أنه سليم تماماً ونقي. لاأعتقد أني قادرة على نسيان تلك النظرة ولا أن أنسى أثرها ولن تصدقون حين أقول أنها دفعتني للأمام دفعاً. أكملت فحصي وأنا أنظر لعينيها،كان بيننا مايشبه الحوار الغير مسموع، كنت أريد أن أحادثها وأن أقضي وقتاً أكثر معها على الرغم من أنها لاتتكلم وربما لاتعي ماسأقوله لها. أنهيت سماعي ومددت يدي نحو كتفها ولمسته بلطف مودعة واتجهت نحو الستارة والتفت إليها للمرة الأخيرة..حيث بصفاء كانت تلاحقني عيناها.
Next:
شــباب
أختكم
صدى القدس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : || :: بوح أحرفي :: || | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























